ابن الجوزي
289
صفة الصفوة
وقال علي بن عبد اللّه : اعتكف أبو محمد الحريري بمكة في سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، فلم يأكل ، ولم ينم ، ولم يمد رجليه . فقال له أبو بكر الكناني : يا أبا محمد بماذا قدرت على اعتكافك ؟ فقال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري - . وقال أبو الحسن الفارسي ، قال أبو محمد الحريري : من توهم أن عملا من أعماله يوصله إلى مأموله الأعلى والأدنى فقد ضل عن طريقه ؛ لأن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لن ينجي أحدكم عمله » « 1 » فما لا ينجي من المخوف كيف يبلغ إلى المأمول ؟ ومن صحّ اعتماده على فضل اللّه تعالى فذاك الذي يرجي له الوصول . وقال محمد بن داود الدينوريّ : سمعت أبا محمد الحريري يقول : أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد ، وهو أن تلزم قلبك المراقبة ، ويكون العلم على ظاهرك قائما . وعنه قال : سمعت أبا محمد الحريري يقول ؛ وكان عنده جماعة ؛ فقال : هل فيكم من إذا أراد اللّه أن يحدث في المملكة حدثا أبدى علمه إلى وليّه قبل إبدائه في كونه ؟ فقالوا لا . قال : مرّوا وابكوا على قلوب لم تجد من اللّه شيئا من هذا . أخبرنا ابن ناصر بالإسناد عن أبي محمد الحريري قال : من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات ، محصورا في سجن الهوى ، فحرّم اللّه على قلبه الفوائد فلا يستلذ بكلامه ولا يستحليه وإن كثر تردده على لسانه - . أسند الحريري الحديث . وهو من كبار أصحاب الجنيد ، وصحب سهل بن عبد اللّه . وتوفّي رحمه اللّه في سنة إحدى عشرة وثلاث مائة - رحمه اللّه - .
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 2 / 235 .